الياس شوفاني

364

الموجز في تاريخ فلسطين السياسي

بلفور في سياق نسف هذا الاتفاق ، الذي يقضي بوضع فلسطين تحت إدارة دولية . وكان واضحا أنه كي يتحقق هذه الوعد ، لا بدّ من أن تكون فلسطين تحت حكم بريطانيا ، لترعى إنشاء « الوطن القومي اليهودي » فيها . وعندما انتهت الحرب ، كشفت بريطانيا عن نواياها من الاتفاق ، وكتب رئيس حكومتها ، لويد جورج ، ( كانون الأول / ديسمبر 1918 م ) ، إلى رئيس حكومة فرنسا ، كليمنصو ، يقول إنه بحسب رأيه فقد اتفاق سايكس - بيكو صلاحيته . وتذرع لويد جورج بخروج روسيا من الحرب ، بعد أن كانت طرفا في الاتفاق . وفي البداية رفض كليمنصو هذا الطرح ، لكنه عاد وقبل به لاحقا . وفي مؤتمر باريس للسلام ( 1919 م ) ، كان موقف الوفد العربي ، برئاسة فيصل ، حرجا جدا ، وبالتالي في موضع الابتزاز ، فاستغلت بريطانيا ذلك إلى أقصى الحدود . وبداية رفضت فرنسا إدراج الوفد العربي في قائمة الوفود المشاركة في المؤتمر ، انطلاقا من أن إمارة الحجاز لم تكن رسميا طرفا في الحرب ، بحسب ادعاء فرنسا . وكذلك كانت وزارة الخارجية الأميركية قد أسقطتها من لائحة الدول المشاركة في المؤتمر . ولقاء دعم بريطانيا لمشاركة الوفد العربي في المفاوضات ، انتزعت من فيصل تنازلات لمصلحة المطالب الصهيونية في فلسطين ، على أمل أن يحقق الاستقلال للأجزاء الأخرى من الولايات العربية التي كانت تحت الحكم العثماني . لكن هذه الولايات كانت تحت الحكم العسكري البريطاني ، إذ إن الجيش البريطاني هو الذي احتلها ، بينما فرنسا مشغولة على الجبهة الغربية للحرب . واستعملت بريطانيا فيصل ورقة في صراعها مع فرنسا بشأن تغيير بنود اتفاقية سايكس - بيكو ، من جهة ، والحصول على دعم أميركا لذلك ، عبر تلبية المطالب الصهيونية ، واعتراف فيصل بذلك ، من جهة أخرى . وهكذا ، ونتيجة الأوضاع التي تشكلت بعد الحرب ، كان الوفد العربي في مؤتمر السلام تحت رحمة بريطانيا ، ولا يملك القدرة على الخروج على إرادتها ، وذلك بغض النظر عن الرغبات الذاتية . وفي مواجهة هذا الوفد العربي الصغير ، الذي تخندق في معسكر العدو ، فكان « كالأيتام على مأدبة اللئام » ، تجمعت في المؤتمر وفود صهيونية من معظم أقطار العالم ، لكن الأكبر والأكثر أهمية بينها كان الوفد الأميركي . وإذ كان معظم هذه الوفود يحضر المؤتمر بصفة مراقب ، غير أنه كانت لها قنوات مفتوحة على الوفود الرسمية ، بصور متعددة ، وبالتالي امتلكت قدرة هائلة على ممارسة النشاط كمجموعات ضغط متعدد الجوانت والأهداف . وبصورة مفتعلة ، أثارت هذه الوفود مسألة « اللاسامية » ، وخصوصا في دول أوروبا الشرقية ، والأخطار التي تتهدد اليهود في روسيا الشيوعية .